السعيد شنوقة

272

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

تبرز وحدانية الله في كل شيء ، وتكشف بأنه من غير المعقول أن يكون العبد خالقا لما اختاره من أفعاله لأن ذلك يجعله عالما بتفاصيلها ، ولكنه يشعر من ذاته صدور أفعال اختيارية كثيرة منه كالمشي والمضغ . . . إلخ من غير أن يعرف تفاصيلها ؛ ولكن وجدت نصوص أخرى في القرآن والسنة تنسب أعمال العباد إليهم ، وفيها يعلن الله تعالى حبه ورضوانه للمحسنين ، ويعلن غضبه للمسيئين منهم « 1 » فإن نظر الناظر لها يفهم بأنها ترد أعمال العباد إليهم تسندها كذلك أدلة عقلية شاهدة بعدل الله وحكمته ؛ فلو لم يكن العبد موجدا لما اختاره من أفعال لما كان ثمة وجه لاستحقاق المثوبة أو العقوبة ؛ لأنه كيف يثاب أو يعاقب على ما ليس له ولم يصدر منه « 2 » . إذن مثلما تمسك أهل السنة بالنصوص الأولى تشبث المعتزلة بالنصوص الثانية وبما يعضدها من أدلة العقل للاحتجاج على ما أرادوه في خلق أفعال العباد . أما أهل السنة فحملوا النصوص الأولى على الخلق وحملوا الثانية على الكسب جمعا بين الأدلة واختيار العبد للكسب ، وهو مخاطب بالأمر والنهي مجازى على أفعاله بالثواب والعقاب لما في فعله واختياره من الكسب الاختياري لا لما لله فيهما من الخلق والتقدير السابق من غير تمييز للقدر المكسوب من القدر المخلوق . . . والله لم يفعله على الوجه الذي فعله العبد لأنه محال في حقه ، وإنما يسمى بأفعاله خالقا ومحسنا ومبتليا وحكيما « 3 » .

--> - وغيرها . ومن السنة النبوية : « إن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا ، ولكن قدّر الله وما شاء فعل » : انظر الزرقاني ، مناهل العرفان في علوم القرآن . ج 2 ، ص 29 - 30 - 31 . ( 1 ) منها قوله عز وجل : مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها [ فصلت : 46 ] . وقوله : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [ الإسراء : 7 ] . وقوله : إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ [ الزمر : 7 ] . وقوله : وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [ التوبة : 105 ] . . . وغيرها . ومن السنة النبوية : « اعملوا فكل ميسر لما خلق له » : صحيح البخاري رقم ، 4757 ورقم 6679 . ( 2 ) انظر البغدادي ، الفرق بين الفرق ، ص 338 - 339 . والزرقاني ، مناهل العرفان ، ج 2 ، ص 30 - 31 . ( 3 ) انظر تفسير الطبري ، ج 1 ، ص ، 380 وتفسير البيضاوي ، ج 3 ، ص ، 345 والزركشي ، البرهان في علوم القرآن ، ج 2 ، ص ، 59 وابن الوزير المرتضى اليماني ، إيثار الحق على الخلق ، ص 290 - ، 291 وانظر الألوسي ، روح المعاني ، ج 4 ، ص 10 : ذكر الألوسي : من شرط التكليف القوة التي تؤثر عند انضمام الإرادة إليها ، وذلك قبل الفعل والقدرة التي هي مع الفعل قدرة تستجمع شروط التأثير التي من جملتها انضمام الإرادة إليها . وأشار بأنه بهذا جمع الإمام الرازي في الموقفين مذهب الأشعري الذي يرى بأن القدرة مع الفعل والمعتزلة الذين يذهبون إلى أنها قبله قائلا : لعل الأشعري أراد بالقدرة القوة -